مصطفى سيد أحمد بين صفوية المفردة وعموم الرسالة

أماني حسن علي

(أنا نطفة خبيئة من التاريخ، أصابني الزمن كي أصور ما أراه، وما أعيشه، وما أحسه بالوراثة.. ومن غير هذا لا أعني الا ما أعني ولا أكون إلا مااكون).

لم أجد كلمات أفتتح بها محاولتي للغوص في أعماق تجربة مصطفى الابداعية، أصدق مما قاله مصطفى سيد احمد عن نفسه.

ومحاولة سبر أغوار تجربة إنسانية بدأت من ود سلفاب واسدل الستار على فصولها في الدوحة، يتطلب قدرا كبيرا من الثقافة والالمام بالموروث السوداني العربي الإفريقي على حد سواء، هذا الموروث الذي ارتكز عليه الراحل ثم انطلق مجددا للمفردة والمعنى، وهذا شرف لا أدعيه، لكنها مجرد قصاصات أحاول عبرها التنقيب في حفريات الغناء السوداني، لازيل بعض الرمال المتراكم على هرم من اهراماتنا الغنائية، علني أزيل بعض الغبار العالق بالاذهان، لأنني ادرك تماما مدى الإجحاف الذي لحق بتجربة مصطفى وتأطيره في خانه اليسار وتنميطه بأنه فنان النخبة المثقفة، في حين أنه كان صاحب مشروع متكامل، توفرت له كل المقومات الوجدانية والروحية والابداعية، التي ترسخ لقيمة الإنسان كإنسان، فمصطفى فنان بقامة وطن واسع بعيدا عن الطبقية، لذا ليس بمستغرب أن صدحنا معه لأنه استعار لسان الحال السوداني، ولأنه يمتلك من الوعي الكافي بدوره الوجودي، الذي أهله ليصبح صاحب مشروع فكري متفرد ومتجدد فكانت رسالته جادة، ذات مضاميين ثورية واضحة لم يجامل او يهادن،  لذا لم يفقد البوصلة فكان متحد المسار، لم يتلون أو يتغير، فكان أن تشابهت النهايات لديه بالبدايات، فكان مبشرا بقادم الأيام لوطن انهكته التجارب المتقزمة والعقول الخربة، كان رغم رمزيته ، مباشرا في طرحه، استلهم من ملامح شعبه وقود التجربة وزاد الرحلة، فكان يشد عضده بحبات العرق المتلألأ على جبين عم عبدالرحيم ، وكانت مريم الأخرى هي الأم والحبيبة والاخت الرفيقة، فكان للانثى نصيب مقدر من تجربته الابداعية، مابين حجا الامات ودعواتن والاستبصار بمقدم البت الحديقة التي لا تعني لي سوى الوطن .

أشد مايولمني ان تختذل تجربة مصطفى رمز الإنسانية في مفردات عقيمة، لطالما ترددت على مسامعنا، ومجاهدة البعض لتأطير فنان وفصله عن جذوره، بهدف الكسب السياسي الرخيص،  فمصطفى الذي صدح مبشرا جاي ليك يا نورا غيمة تملا ماعونك خريف .. يملا عينيك ويفضّل .. يروي جواك العطاشى .. مو دعاشة .. ما ها شبورة وتقيف .. جاي ليك يا نورا غيمة تملا ما عونك خريف

لا ينتمى إلا لهؤلاء السمر، مصطفى الذي تضج مفرادته بالصوفية رغم أنف من أبا سالتك بالذي ركز الارض معبد وسوا الناس عليها مقام سالتك بي حجى الامات ودمعاتنا سالتك بي كبيداتن ودعواتنا .. شليل وين راح شليل شليلنا أرضنا ياجنيات،  فمصطفى لاينتمي إلا لهؤلاء الغبش الذين ماخاب ظنه فيهم فكانت ثورة ديسمبر قوامها مكونات هذا الشعب الذي آمن به ودفع حياته غربة وشجن في سبيل رفعته نوبة وزنوج وبجا وحلب وكانوا معه على الوعد متين إيد الغبش تتمد تتش عين الضلام بالضو.

يبقى مصطفى كما وصفه النقاد ظاهرة كونية لن تتكرر، وتبقى صفويته من صفاء سريرته ونقاء قلبه، ويجي الاصطفاء من أسمه ليكون من حملة مشاعل الخلاص،  وتبقى تجربته ملك لكل السودان ولكل عاشق لسمو المفردة وسحر اللحن وجمال التطريب ، فحنجرة مصطفى عصية على التقليد كما كانت مفردته عصية على بعضهم فسبح على شواطئ التجربة دون الغوص لاعماقها حيث الدرر، فمصطفى المعلم الذي حمل الطباشيرة سلاحا في وجه جيوش الجهل، ماكانت مبادئه لتوجه للنخب ومن يضعون أنفسهم في أبراج عاجية بدواعي الثقافة وعلو الكعب على الآخرين، مصطفى تمازج حزنه مع فرح أهله، فزالت الحواجز وكأنني أسمع الجميع يطمئنه في يقين كل ماتباعد بينا عوارض كل ماهواك ياطيبة مكني، فكل ماتباعدت المسافات والتواريخ بين ابوسامر والأجيال كلما زاد الحب والتقدير، فأي حب منحته لشعبك يا مصطفى ليتوجك سلطانا للمفردة وملكا للفن، أي بذور للطيبة نثرتها في وطنك فكانت تنمو مع حباب المطر، لتتفتح زهرة الحلم الذي كثيرا مابشرت به حبيبتك السمراء الا باكر يا حليوه لما … اولادنا السمر يبقو افراحنا البنمسح بيها احزان الزمن نمشي في كل الدروب الواسعة ديك والرواكيب الصغيره تبقى … اكبر من مدن…

لقد صار الحلم حقيقة وتحرر وطنك من أغلال العقول المتحجرة لبراحات الحرية ، فلتهنأ روحا قدمت ومابخلت وتسامت على آلام المرض ، سابقت الزمن وعداد الأيام لتهب للانسانية رسالة الحب والوعي والايمان بالوطن.

كان البسطاء زاد رحلتك، وكنت زاد رحلتهم نحو التغيير الانعتاق.

قد يعجبك ايضا